أوميغا 3 والتوحد عند الأطفال.. ما حقيقة فوائده وما الذي تقوله الدراسات؟

تُعد أحماض أوميغا 3 الدهنية من العناصر الغذائية المهمة التي يحتاج إليها الجسم، وتوجد بصورة خاصة في الأسماك الدهنية وبعض الزيوت والمكسرات والبذور والأطعمة المدعمة. ويُعرف حمضا DHA وEPA على وجه الخصوص بأهميتهما في وظائف الدماغ والعين والجهاز العصبي.

وبسبب أهمية هذه الأحماض في نمو الدماغ، بحث العلماء في إمكانية الاستفادة من أوميغا 3 لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، وظهرت دراسات صغيرة تناولت تأثير المكملات أو الأنظمة الغذائية الغنية بها في بعض الأعراض المصاحبة للتوحد.

لكن الأدلة العلمية الحالية لا تثبت أن أوميغا 3 يعالج التوحد أو يحسن أعراضه الأساسية بصورة مؤكدة. وتوضح المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية أن الأدلة المتوافرة لا تزال غير كافية لإثبات فعالية مكملات أوميغا 3 في علاج اضطراب طيف التوحد.

ما هو أوميغا 3؟

أوميغا 3 مجموعة من الأحماض الدهنية غير المشبعة التي تدخل في عدد من الوظائف الحيوية في الجسم. ويبرز منها:

  • DHA أو حمض الدوكوساهيكساينويك.

  • EPA أو حمض الإيكوسابنتاينويك.

  • ALA أو حمض ألفا لينولينيك.

ويُعد DHA عنصرًا مهمًا في تركيب أغشية الخلايا، وله أهمية خاصة بالنسبة إلى الدماغ وشبكية العين، بينما يرتبط EPA بعدد من الوظائف المتعلقة بالاستجابة الالتهابية وصحة القلب والأوعية الدموية.

أوميغا 3 والتوحد

اهتم الباحثون بدراسة أوميغا 3 لدى الأطفال المصابين بالتوحد بسبب الدور الذي تؤديه هذه الأحماض في الجهاز العصبي والدماغ.

وأجريت تجارب صغيرة تناولت أطفالًا ومراهقين مصابين باضطراب طيف التوحد، ومن بينها دراسة مبكرة شملت 13 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا. وأشارت النتائج إلى بعض التغيرات المحتملة في سلوكيات مثل فرط النشاط والسلوكيات النمطية، لكنها لم تكن كافية لإثبات فعالية العلاج بصورة موثوقة.

وعند مراجعة مجموعة أكبر من الدراسات، لم تظهر أدلة قوية تثبت أن مكملات أوميغا 3 تؤدي إلى تحسن مستمر في الأعراض الأساسية أو السلوكيات المرتبطة بالتوحد. وتشير مراجعات منهجية وتحليلات للدراسات إلى أن النتائج إما غير حاسمة أو لا تظهر فائدة واضحة مقارنةً بالدواء الوهمي.

هل يقلل أوميغا 3 القلق أو السلوك العدواني؟

ظهرت في بعض الدراسات الصغيرة إشارات إلى احتمال حدوث تحسن في بعض الأعراض مثل القلق أو السلوكيات الصعبة أو فرط النشاط، لكن النتائج لم تكن متسقة بما يكفي للتوصية بأوميغا 3 باعتباره علاجًا لهذه الأعراض لدى جميع الأطفال المصابين بالتوحد.

وتشير الأدلة الحالية إلى أن تأثير المكملات على أعراض التوحد لا يزال غير واضح، ولذلك لا ينبغي استخدام أوميغا 3 بدل التدخلات السلوكية والتعليمية والعلاجات الطبية المناسبة لكل طفل.

أهمية DHA في نمو الطفل

يؤدي DHA دورًا مهمًا في تكوين الدماغ والعين، وتزداد أهميته خلال مراحل النمو المبكرة، كما يحصل الجنين والرضيع عليهما من مصادر غذائية مختلفة خلال الحمل والرضاعة.

لكن وجود أهمية بيولوجية لـDHA لا يعني أن إعطاء مكملاته بجرعات محددة يمنع التوحد أو يحسن التطور العصبي لدى جميع الأطفال. وتوضح المراجعات العلمية أنه لا توجد أدلة كافية على أن مكملات أوميغا 3 أثناء الحمل تمنع التوحد لدى الأطفال أو تؤدي إلى فوائد مؤكدة طويلة المدى في التطور العصبي.

أوميغا 3 وصحة الدماغ

تدخل أحماض أوميغا 3، ولا سيما DHA، في تركيب الخلايا العصبية ووظائف الدماغ والعين. ولذلك تحظى هذه الأحماض باهتمام كبير في دراسات التغذية ونمو الجهاز العصبي.

ومع ذلك، ينبغي التفريق بين أهمية العنصر الغذائي للجسم وبين استخدام المكملات لعلاج مرض معين. فوجود DHA في أنسجة الدماغ لا يعني أن تناول جرعات إضافية منه يعالج اضطرابات النمو أو يحسن القدرات العقلية لدى الأطفال بصورة مؤكدة.

أوميغا 3 وفرط الحركة وتشتت الانتباه

بحثت الدراسات أيضًا تأثير أوميغا 3 في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، لكن النتائج ظلت متباينة. وتشير مراجعات حديثة إلى أن الأدلة لا تثبت فائدة واضحة بما يكفي لجعل مكملات أوميغا 3 علاجًا أساسيًا لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى الأطفال والمراهقين.

وبالتالي، فإن وجود طفل مصاب بالتوحد مع أعراض فرط الحركة لا يعني أن مكمل أوميغا 3 سيكون علاجًا مثبتًا لهذه الأعراض.

فوائد أوميغا 3 خارج نطاق التوحد

لا يقتصر الاهتمام بأوميغا 3 على التوحد، فقد دُرس تأثيره في عدد كبير من الحالات الصحية. ومن المعروف أن تناول الأسماك ضمن نظام غذائي متوازن يوفر أحماض أوميغا 3 وغيرها من العناصر الغذائية المفيدة.

صحة القلب

ارتبط تناول الأسماك والمأكولات البحرية ضمن نظام غذائي متوازن بصحة القلب، بينما تختلف فوائد مكملات أوميغا 3 بحسب الحالة الصحية والجرعة المستخدمة. لذلك لا ينبغي اعتبار المكملات علاجًا عامًا للوقاية من جميع أمراض القلب دون تقييم طبي.

صحة العين

يُعد DHA مكونًا مهمًا في شبكية العين، لكن تناول مكملات EPA وDHA لا يعني بالضرورة الوقاية من جميع أمراض العين. فقد أظهرت الدراسات نتائج مختلفة بحسب المرض والفئة التي تمت دراستها.

الالتهاب

توجد أبحاث كثيرة حول دور أوميغا 3 في العمليات الالتهابية، لكن النتائج العلاجية تختلف باختلاف المرض، ولا يمكن تعميم تأثير واحد على جميع الحالات.

صحة المفاصل والعظام

دُرست أوميغا 3 في بعض أمراض المفاصل والالتهابات، وقد تظهر فوائد محتملة لدى بعض الفئات، لكن الأدلة ليست كافية لاعتبارها علاجًا مستقلًا لجميع أمراض المفاصل أو هشاشة العظام.

الربو

تمت دراسة مكملات أوميغا 3 لدى الأشخاص المصابين بالربو، بما في ذلك الأطفال، لكن النتائج كانت متباينة؛ ولذلك لا يمكن اعتبارها علاجًا أساسيًا للربو.

آلام الدورة الشهرية

بحثت دراسات أوميغا 3 في تخفيف آلام الدورة الشهرية لدى بعض النساء، لكن قوة الأدلة تختلف بحسب الدراسة والجرعة، ولا ينبغي استخدام المكملات بدل التقييم الطبي عند وجود ألم شديد أو غير معتاد.

الاكتئاب والقلق

دُرست أحماض أوميغا 3 في عدد من اضطرابات المزاج، إلا أن نتائج الدراسات تختلف، ولا يمكن اعتبارها علاجًا مثبتًا للاكتئاب أو القلق لدى جميع الأشخاص. كما أن الدراسات المتعلقة بالحمل وفترة ما بعد الولادة لم تثبت فوائد واضحة للمكملات في الوقاية من الاكتئاب أو القلق.

أفضل مصادر أوميغا 3 للأطفال

يمكن الحصول على أوميغا 3 من مصادر غذائية طبيعية، ومن أهمها الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين والماكريل، إضافة إلى بعض مصادر ALA النباتية مثل بذور الكتان والجوز وبعض الزيوت النباتية.

ويُفضل أن يكون التركيز الأساسي على الغذاء المتوازن بدل الاعتماد على المكملات دون حاجة واضحة، خصوصًا عند الأطفال.

وعند التفكير في إعطاء طفل مكمل أوميغا 3، ينبغي مناقشة الأمر مع طبيب الأطفال، لأن الجرعة المناسبة تعتمد على العمر والنظام الغذائي والحالة الصحية ونوع المنتج.

هل أوميغا 3 علاج للتوحد؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علمية كافية تسمح بالقول إن أوميغا 3 علاج للتوحد. فقد وجدت مراجعات منهجية ودراسات عشوائية أن الأدلة لا تدعم وجود تأثير واضح على الأعراض الأساسية أو السلوكيات المرتبطة باضطراب طيف التوحد.

ولهذا ينبغي النظر إلى أوميغا 3 باعتباره عنصرًا غذائيًا مهمًا يمكن الحصول عليه من الغذاء، وليس علاجًا مثبتًا لاضطراب طيف التوحد.

كما لا ينبغي إيقاف أي علاج موصوف للطفل أو استبداله بالمكملات الغذائية دون استشارة الفريق الطبي.

السلامة عند استخدام مكملات أوميغا 3

تُعد مكملات أوميغا 3 آمنة نسبيًا عند كثير من الأشخاص، وقد تحدث آثار جانبية بسيطة لدى بعض المستخدمين، مثل اضطرابات الجهاز الهضمي أو الطعم غير المرغوب فيه.

لكن استخدام المكملات لدى الأطفال يجب أن يكون مدروسًا، خاصة عند وجود حساسية من الأسماك أو المحار، أو عند تناول أدوية قد تتداخل مع المكملات. وتوضح المعاهد الوطنية للصحة أن سلامة مكملات زيت السمك لدى الأشخاص المصابين بحساسية الأسماك أو المحار ليست محسومة بصورة كاملة.

الخلاصة

أوميغا 3 عنصر غذائي مهم، ويؤدي DHA دورًا مهمًا في وظائف الدماغ والعين، بينما يرتبط EPA بعدد من الوظائف الحيوية الأخرى. وقد دفعت أهمية هذه الأحماض الباحثين إلى دراسة استخدامها لدى الأطفال المصابين بالتوحد.

لكن الدراسات الحالية لا تثبت أن مكملات أوميغا 3 تعالج التوحد أو تؤدي إلى تحسن مؤكد في أعراضه الأساسية. وتظل الأدلة غير كافية، ولذلك لا ينبغي استخدامها بدل العلاجات والتدخلات المعتمدة للتوحد.

والأفضل هو توفير أوميغا 3 ضمن نظام غذائي متوازن ومناسب لعمر الطفل، بينما تُستخدم المكملات عند الحاجة وبعد استشارة طبيب الأطفال أو اختصاصي التغذية.

الوسوم: أوميغا 3، فوائد أوميغا 3، أوميغا 3 والتوحد، التوحد، DHA، EPA، تغذية الأطفال، صحة الدماغ، المكملات الغذائية