تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾
تتناول سورة التحريم في ختامها نماذج عظيمة من النساء المؤمنات، وتضرب بهن الأمثال في الإيمان والثبات والطاعة. ومن بين هذه النماذج مريم ابنة عمران، التي ذكرها الله تعالى بقوله:
﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
[التحريم: 12]
وتجمع الآية صفات عظيمة في مريم عليها السلام، من العفة والتصديق بوعد الله والطاعة والعبادة، ولذلك جاءت مثالًا للمؤمنين والمؤمنات.
سياق الآية في سورة التحريم
جاء ذكر مريم عليها السلام في نهاية السورة بعد ذكر امرأة فرعون، حيث ضرب الله سبحانه وتعالى للمؤمنين مثلين عظيمين في الثبات على الإيمان.
فقال تعالى قبل ذلك:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
ثم ذكر مريم عليها السلام مثالًا آخر للمؤمنين.
ويشير الإمام القرطبي في تفسيره إلى أن ذكر مريم جاء معطوفًا على امرأة فرعون، فكلتاهما مثال للإيمان والثبات أمام المحن. فقد عاشت امرأة فرعون في بيت رجل طاغية، ومع ذلك لم يمنعها ذلك من الإيمان بالله، كما كانت مريم عليها السلام مثالًا للعفة والعبادة والتصديق بالله.
معنى قوله تعالى: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾
يذكر القرطبي أن معنى إحسان مريم لفرجها هو صيانتها له عن الفواحش، فهي عفيفة طاهرة لم تمسها الفاحشة.
والعفة من أبرز الصفات التي أثنى الله بها على مريم عليها السلام، وقد جاءت هذه الصفة مرتبطة بالمعجزة العظيمة التي حدثت لها عندما حملت بعيسى عليه السلام من غير أب.
وقد ورد في القرآن الكريم تأكيد عفتها في مواضع أخرى، ومنها قول الله تعالى:
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾
[الأنبياء: 91]
والمقصود أن مريم عليها السلام كانت محفوظة من الفاحشة، فكان حملها بعيسى عليه السلام آية عظيمة من آيات الله.
معنى قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾
بعد ذكر عفة مريم عليها السلام، قال الله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.
والمقصود بالروح هنا عيسى عليه السلام، الذي خلقه الله تعالى بأمره وقدرته من غير أب، فكانت ولادته معجزة عظيمة.
وقد جاء تفصيل هذه القصة في سورة مريم، حيث أخبرت الملائكة مريم عليها السلام بأنها ستُرزق بغلام، فتعجبت من ذلك لأنها لم يمسسها بشر.
قال تعالى:
﴿قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾
فالآية تؤكد أن ولادة عيسى عليه السلام كانت بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنها لم تكن نتيجة سبب بشري معتاد.
وقد اختلف المفسرون في بعض تفاصيل موضع النفخ وكيفية نسبته إلى مريم، وذكر القرطبي أقوالًا متعددة في ذلك، منها ما يتعلق بالجيب، مع ارتباط ذلك ببيان معنى إحسانها لفرجها.
معنى قوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾
لم تكتفِ مريم عليها السلام بالعفة والطهارة، بل وصفها الله كذلك بالتصديق.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ يدل على إيمانها بما جاءها من عند الله وتصديقها لوعده وأمره.
وقد ذكر المفسرون في معنى كلمات الله أقوالًا متعددة، فقيل إن المقصود بها ما جاءها من بشارة وأمر، وقيل غير ذلك من معاني كلمات الله التي آمنت بها وصدقتها.
كما وردت في قراءة الآية قراءات متواترة تتعلق بكلمة ﴿وَصَدَّقَتْ﴾، وهو من مسائل القراءات التي تناولها أهل التفسير واللغة.
أما قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾، فيشير إلى إيمانها بما أنزله الله من كتبه ووحيه، وهو وصف يدل على رسوخ الإيمان والتصديق.
معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾
اختتم الله تعالى وصف مريم بقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
والقنوت في أصل معناه يدل على الطاعة والخضوع والعبادة، ولذلك فالمعنى أنها كانت من أهل الطاعة والعبادة لله تعالى.
وقد ذكر المفسرون معاني متعددة للقنوت في الآية، ومن ذلك أنها كانت من العابدين المطيعين، وقيل إنها كانت ممن يقومون بالعبادة والصلاة.
ومن اللافت أن التعبير القرآني جاء بقوله: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، ولم يقل «من القانتات». وقد ذكر أهل التفسير عدة توجيهات لذلك، منها أن المقصود أنها من جماعة القانتين، أو أن الوصف يتصل بأهل بيتها الذين كانوا من أهل الطاعة والعبادة.
وهذا التعبير لا ينتقص من خصوصية مريم عليها السلام، بل يرفع قدرها بجعلها داخلة في زمرة القانتين لله تعالى.
مكانة مريم عليها السلام
تحتل مريم ابنة عمران مكانة عظيمة في القرآن الكريم، فهي المرأة الوحيدة التي ورد اسمها صريحًا في القرآن، بل سُمّيت سورة كاملة باسمها، وهي سورة مريم.
وقد أثنى الله عليها في مواضع متعددة، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾
[آل عمران: 42]
كما جعل الله قصتها من أعظم قصص المعجزات في القرآن، فقد حملت بعيسى عليه السلام وولدته من غير أب، وكانت هذه الولادة آية على قدرة الله تعالى.
أحاديث النبي ﷺ في فضل مريم
وردت أحاديث صحيحة في بيان فضل مريم عليها السلام ومكانتها بين نساء العالمين.
ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ أنه قال:
«خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة».
كما ورد في الصحيحين حديث آخر في فضل مريم وآسية امرأة فرعون، وفيه أن النبي ﷺ ذكرهما في سياق بيان فضل نساء العالمين.
وجاء كذلك حديث مشهور في ذكر أربع من أفضل النساء، منهن مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ﷺ، وآسية امرأة فرعون، وقد تكلم أهل الحديث في طرق هذا الحديث وألفاظه، ولذلك ينبغي التفريق بين الأحاديث الصحيحة والأحاديث التي وردت بأسانيد لا تخلو من كلام.
الدروس المستفادة من الآية
تحمل الآية الكريمة مجموعة من المعاني الإيمانية العظيمة، فهي تجمع بين العفة والتصديق والطاعة في شخصية واحدة.
فمريم عليها السلام مثال للعفة، إذ أحصنت نفسها وصانتها عن الفواحش، وهي مثال للتصديق بالله عندما واجهت أمرًا يتجاوز المألوف، ومثال للقنوت والعبادة والخضوع لله تعالى.
كما تؤكد الآية أن كرامة الإنسان عند الله لا تتعلق بالظروف المحيطة به، وإنما بالإيمان والطاعة؛ ولذلك جاء ذكر مريم وامرأة فرعون نموذجين للمؤمنين جميعًا.
خلاصة تفسير الآية
تقدم سورة التحريم مريم ابنة عمران نموذجًا رفيعًا للمرأة المؤمنة الطاهرة. فقد جمع الله لها في آية واحدة صفات العفة والتصديق والقنوت، وذكر حملها بعيسى عليه السلام باعتباره معجزة عظيمة من آيات قدرته.
ويبين تفسير الإمام القرطبي أن قوله تعالى: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يشير إلى عفتها وصيانتها، وأن قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ مرتبط بالمعجزة التي خلق الله بها عيسى عليه السلام، بينما يدل قوله: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ على إيمانها وتصديقها بوحي الله، ويختم الله وصفها بقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، أي من أهل الطاعة والعبادة.
وهكذا تختصر الآية جانبًا عظيمًا من شخصية مريم عليها السلام، وتجعل منها نموذجًا خالدًا للإيمان والعفة والصبر والطاعة.