معنى الآية الكريمة
قال الله تعالى:
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [سورة يونس: 17].
بيّن ابن كثير أن الافتراء على الله من أعظم الجرائم وأشدها، ومن صوره ادعاء الرسالة أو القول على الله بغير حق. وتوضح الآية شدة جرم من يختلق على الله الكذب أو يرفض آياته بعد قيام الحجة عليه.
معنى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}
يفسر ابن كثير قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ} بأنه لا يوجد من هو أشد ظلمًا أو عتوًا أو إجرامًا ممن يفعل ذلك، ثم يوضح معنى {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بأنه أن ينسب الإنسان إلى الله ما لم يقله، أو يدعي أن الله أرسله رسولًا وهو ليس كذلك.
ويرى ابن كثير أن صدق المدعي للرسالة أو كذبه لا يخفى، لأن الله ينصب من الأدلة ما يكشف حقيقة أمره ويظهر بره أو فجوره بوضوح. ويضرب لذلك مثالًا بالفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم ومسيلمة الكذاب، مبينًا أن الفرق بينهما لمن شاهدهما واضح كالفارق بين الضحى وشدة ظلمة الليل.
شهادة عبد الله بن سلام على صدق النبي
روى ابن كثير عن عبد الله بن سلام أنه عندما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة انجفل الناس، وكان ذلك من قومه اليهود، بينما كان العرب من الأنصار في غاية الفرح والسرور. وكان عبد الله بن سلام من الذين خرجوا لرؤية النبي، فلما رآه عرف من وجهه أنه ليس وجه رجل كذاب.
وذكر أن أول ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
«يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
ضمام بن ثعلبة وسؤاله عن الرسالة
ومن الشواهد التي ذكرها ابن كثير قصة ضمام بن ثعلبة عندما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه من بني سعد بن بكر.
سأل ضمام النبي عن الذي رفع السماء، والذي نصب الجبال، والذي سطح الأرض، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم في كل مرة: «الله». ثم أقسم ضمام بهذا كله وسأل: آلله أرسلك إلى الناس جميعًا؟ فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم».
ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام، وكان يحلف عند كل سؤال، ويحلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ضمام: «صدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص».
ويذكر ابن كثير أن ضمامًا أيقن بصدق النبي صلى الله عليه وسلم بعدما شاهد الدلائل التي تدل على صدقه.
وقال حسان بن ثابت:
لو لم تكن فيه آيات مبينة
كانت بديهته تأتيك بالخبر
موقف عمرو بن العاص من مسيلمة الكذاب
ذكر ابن كثير كذلك أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة، وكان صديقًا له في الجاهلية، وذلك قبل أن يسلم عمرو.
سأل مسيلمة عمرو عما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال تلك المدة، فأخبره عمرو أنه سمع أصحابه يقرؤون سورة قصيرة عظيمة، وهي:
{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [سورة العصر: 1-2] إلى آخر السورة.
فكر مسيلمة قليلًا، ثم ادعى أن شيئًا مشابهًا قد أُنزل عليه، وذكر كلامًا يقول:
«يا وبر، يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر وسائرك حفر نقر».
ثم سأل عمرو عن رأيه، فأجابه عمرو: «والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب».
ويرى ابن كثير أن هذا الموقف يوضح أن حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته كانت ظاهرة حتى لمن كان مشركًا، فلم يختلط على عمرو الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم الصادق ومسيلمة الكاذب، فكيف يخفى ذلك على أصحاب العقول السليمة والبصائر؟
معنى: {أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ}
لا يقتصر الظلم المذكور في الآية على افتراء الكذب على الله، بل يشمل أيضًا تكذيب الحق الذي جاءت به الرسل وأقيمت عليه الحجج.
ولهذا يختم الله تعالى الآية بقوله: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ}، أي أن من يكذب بآيات الله بعد قيام الحجة عليه لا يكون له فلاح.
وجاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعتى الناس على اللّه رجل قتل نبياً أو قتله نبي».