جوردون ألبورت ونظريته في الشخصية.. مراحل تطور الذات والوظائف النفسية
حاول علماء النفس على مدار عقود طويلة فهم طبيعة الشخصية الإنسانية والكشف عن العوامل التي تؤثر في تكوينها وتطورها. وكان عالم النفس الأمريكي جوردون ألبورت (Gordon Allport) من أبرز الباحثين الذين اهتموا بدراسة الشخصية والسمات الفردية، وقدم تصورًا يرى أن لكل إنسان شخصية متفردة تتكون من تفاعل عوامل نفسية وجسمية وخبرات حياتية متعددة.
من هو جوردون ألبورت؟
وُلد جوردون ألبورت عام 1897 في الولايات المتحدة الأمريكية، وتوفي عام 1967، ويُعد من الشخصيات البارزة في علم نفس الشخصية.
اهتم ألبورت بدراسة الشخصية وسماتها، وكان له موقف نقدي من بعض التفسيرات التي كانت سائدة في علم النفس، خصوصًا تلك التي تفسر السلوك الإنساني بصورة أساسية من خلال اللاوعي والتجارب المبكرة.
وبعد تخرجه من الجامعة، سافر إلى فيينا والتقى سيغموند فرويد، ودار بينهما نقاش حول تفسير السلوك والعمليات النفسية. وأسهمت هذه التجربة في تشكيل اهتمام ألبورت بدراسة الشخصية، قبل أن يطور لاحقًا أفكاره الخاصة حول السمات الشخصية والدوافع الواعية.
مفهوم الشخصية عند جوردون ألبورت
نظر ألبورت إلى الشخصية باعتبارها تنظيمًا ديناميكيًا داخل الفرد، يتضمن أنظمة نفسية وجسمية مترابطة تؤثر في طريقة التفكير والشعور والسلوك.
ولم يكن ألبورت يرى الإنسان مجرد مجموعة من الاستجابات أو السلوكيات المنفصلة، بل اعتبر أن للشخصية تنظيمًا خاصًا يتطور بصورة مستمرة مع نمو الإنسان وخبراته.
كما أكد على تفرد الشخصية الإنسانية؛ فحتى الأشخاص الذين يعيشون في البيئة نفسها ويمرون بظروف متشابهة لا يمتلكون الشخصية نفسها بالضرورة. ويرتبط هذا التفرد بعوامل متعددة، من بينها الاستعدادات الفردية والتكوين الشخصي والتنشئة والخبرات التي يمر بها الإنسان.
وظائف الذات السبع عند ألبورت
تحدث ألبورت عن تطور مفهوم الذات، أو ما يُعرف في نظريته بمفهوم الذات المتطورة (Proprium)، ورأى أن جوانبها تتشكل تدريجيًا خلال مراحل النمو. ويمكن عرض أهم الجوانب التي حددها على النحو التالي:
1. الإحساس بالجسد
يظهر الإحساس بالجسد خلال السنوات الأولى من حياة الطفل، حيث يبدأ في اكتشاف جسمه وحدوده والتمييز بين جسده والعالم المحيط به.
ويتعرف الطفل تدريجيًا على يديه وقدميه وأجزاء جسمه المختلفة، كما يبدأ في اكتشاف أن لجسده وجودًا مستقلًا عن الأشياء والأشخاص المحيطين به.
2. الهوية الذاتية
تتطور الهوية الذاتية خلال السنوات الأولى أيضًا، ويبدأ الطفل في إدراك أنه شخص مستقل له وجود خاص.
ومن العلامات المهمة في هذه المرحلة تعرف الطفل على اسمه والاستجابة له، إلى جانب بدايات إدراك استمرارية الذات عبر الزمن، أي فهم بسيط لفكرة أن الشخص نفسه يمتلك ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
3. احترام الذات
يتطور احترام الذات بصورة ملحوظة خلال مرحلة الطفولة المبكرة، عندما يبدأ الطفل في اكتشاف قدرته على القيام بالأشياء بنفسه.
ويظهر ذلك في رغبته في الاستقلال ومحاولة تنفيذ بعض المهام دون مساعدة الآخرين، الأمر الذي يرتبط بتكوين شعوره بقيمته وقدرته على التأثير في محيطه.
4. امتداد الذات
يبدأ الطفل خلال هذه المرحلة في إدراك أن هناك أشخاصًا وأشياء ذات أهمية خاصة بالنسبة إليه، وأنها أصبحت جزءًا من عالمه الشخصي.
وقد يظهر ذلك في تعلقه الشديد بلعبة معينة أو ببعض ممتلكاته، وفي شعوره بالانزعاج عندما يستخدمها شخص آخر. كما يمكن أن يمتد هذا الشعور إلى أفراد الأسرة الذين يمثلون جزءًا مهمًا من عالم الطفل وعلاقاته.
5. صورة الذات
تتطور صورة الذات خلال مرحلة الطفولة، ويبدأ الإنسان في تكوين تصور عن نفسه من خلال علاقاته بالآخرين.
ويصبح الطفل أكثر قدرة على فهم الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليه، والتعرف على بعض صفاته وقدراته، كما يبدأ في تكوين تصور اجتماعي عن نفسه ومكانته داخل الأسرة والمجتمع.
وتتطور هذه الصورة مع مرور السنوات نتيجة التجارب والتفاعل مع الوالدين والأقران والمعلمين وغيرهم.
6. التكيف العقلاني
مع تطور القدرات العقلية، يصبح الطفل أكثر قدرة على استخدام التفكير في التعامل مع المشكلات والمواقف اليومية.
وتظهر أهمية هذه المرحلة بصورة أكبر مع دخول المدرسة، حيث يبدأ الطفل في تعلم قواعد جديدة وفهم العلاقات بين الأشياء، واستخدام التفكير المنظم للتعامل مع متطلبات الحياة المدرسية والاجتماعية.
وهنا ينتقل الطفل تدريجيًا من الاستجابة المباشرة للمواقف إلى محاولة فهمها وتحليلها والتعامل معها بصورة أكثر عقلانية.
7. السعي نحو التفرد وتحقيق الذات
تبدأ هذه المرحلة بصورة أوضح مع المراهقة، عندما يصبح الإنسان أكثر اهتمامًا بهويته الشخصية ومستقبله وأهدافه.
ويبدأ المراهق في طرح أسئلة حول هويته ومكانته وما يريد تحقيقه في حياته، كما تتشكل لديه أهداف واهتمامات أكثر وضوحًا، ويصبح السعي إلى الاستقلال والتفرد وتحقيق الذات أكثر حضورًا.
وتستمر هذه العملية في التطور خلال مراحل الحياة اللاحقة، إذ لا تتوقف شخصية الإنسان عند مرحلة عمرية محددة، بل تستمر في التغير والنمو نتيجة الخبرات والاختيارات والظروف.
أهمية مراحل تطور الشخصية عند ألبورت
تكمن أهمية تصور ألبورت في أنه لم ينظر إلى الشخصية باعتبارها شيئًا ثابتًا يتشكل مرة واحدة ثم لا يتغير، بل ركز على نموها وتطورها تدريجيًا.
فمع انتقال الإنسان من مرحلة عمرية إلى أخرى، تتغير طريقة إدراكه لذاته وعلاقته بالآخرين وأهدافه ودوافعه. وتساعد هذه الرؤية على فهم الشخصية باعتبارها بناءً متكاملًا يتأثر بالنمو والتجارب والبيئة والاستعدادات الفردية.
كما ركز ألبورت بصورة خاصة على الفروق الفردية، مؤكدًا أن فهم الإنسان لا ينبغي أن يعتمد فقط على القواعد العامة، لأن لكل شخص تركيبًا نفسيًا خاصًا وتاريخًا وتجارب تجعل شخصيته مختلفة عن غيره.
السمات الشخصية في نظرية ألبورت
ارتبط اسم ألبورت بصورة كبيرة بدراسة السمات الشخصية، إذ رأى أن السمات تساعد في وصف الأنماط المستقرة نسبيًا التي تميز سلوك الفرد.
وقسم السمات إلى مستويات مختلفة، ومن أشهرها السمات الأساسية أو المركزية، كما تحدث عن السمات ذات التأثير الواسع جدًا في حياة بعض الأشخاص، والتي أطلق عليها السمات المحورية أو السائدة في بعض الترجمات.
ومن خلال دراسة السمات، حاول ألبورت الانتقال من وصف الإنسان باعتباره مجرد مجموعة من السلوكيات إلى فهم التنظيم الداخلي الذي يجعل الفرد يتصرف بطريقة مميزة ومتكررة نسبيًا.
خلاصة نظرية جوردون ألبورت في الشخصية
قدم جوردون ألبورت رؤية مهمة في علم نفس الشخصية، ركزت على تفرد الإنسان ونمو ذاته وتطور شخصيته عبر مراحل الحياة. واهتم بدراسة كيفية تكوين الإحساس بالجسد والهوية واحترام الذات، ثم تطور صورة الذات والقدرة على التكيف والسعي نحو تحقيق الأهداف الشخصية.
وتظل أفكار ألبورت من الإسهامات المهمة في تاريخ علم نفس الشخصية، خصوصًا في تركيزها على الفروق الفردية والسمات وعلى ضرورة فهم الإنسان باعتباره شخصية متكاملة ومتطورة، وليس مجرد مجموعة من الدوافع أو الاستجابات المنفصلة.
الوسوم: جوردون ألبورت، علم النفس، علم نفس الشخصية، نظرية الشخصية، سمات الشخصية، تطور الشخصية، الذات، علم النفس التربوي

