الحرب الأهلية الفنلندية

تُعد الحرب الأهلية الفنلندية من أبرز الاضطرابات التي شهدتها فنلندا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وارتبطت بمجموعة من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد بعد انهيار الحكم الروسي واندلاع الاضطرابات في روسيا. وأسهم الصراع على السلطة بين القوى السياسية المتنافسة في تفاقم الانقسامات الداخلية وتحولها إلى مواجهة مسلحة.

خلفية الحرب الأهلية الفنلندية

كانت فنلندا في عام 1917 خاضعة لحكم الإمبراطورية الروسية، إلا أن الاضطرابات التي شهدتها روسيا وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى أدت إلى حدوث فراغ سياسي وسلطوي داخل فنلندا.

وفي ظل هذا الوضع، تصاعد التنافس بين الديمقراطيين والاشتراكيين من جهة، والمحافظين من جهة أخرى، وسط انقسامات داخل المجتمع الفنلندي على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولم يقتصر الخلاف على التوجهات السياسية، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمسألة السيطرة على الدولة وإدارة شؤونها، في وقت لم تكن فيه هناك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على فرض النظام بصورة فعالة.

أطراف الحرب الأهلية الفنلندية

دارت المواجهة بصورة أساسية بين معسكرين رئيسيين:

  • الحمر: وهم قوات الديمقراطيين والاشتراكيين، وكانوا مرتبطين بوفد الشعب الفنلندي.

  • البيض: وهم قوات المحافظين، الذين كانت لهم الأغلبية في مجلس الشيوخ.

وحصل كل معسكر على دعم خارجي؛ فقد ساندت الجمهورية السوفيتية الحمر، بينما قدمت الإمبراطورية الألمانية الدعم للبيض.

بداية الحرب

أدى انهيار السلطة الروسية إلى زيادة التنافس على السيادة داخل فنلندا. ولم يكن أي من الطرفين المتنافسين مستعدًا لتقديم تنازلات سياسية، حيث سعى كل طرف إلى تحقيق التفوق على الطرف الآخر.

وفي الوقت نفسه، كانت البلاد تعاني من غياب قوة شرطية أو جيش قادر على الحفاظ على الأمن والنظام، ولذلك بدأت القوى المتنافسة في تشكيل مجموعات عسكرية وأمنية خاصة بها.

وتحولت هذه المجموعات إلى الحرس الأحمر والحرس الأبيض، وأصبح لكل طرف قوة منظمة تدافع عن مصالحه وتشارك في الصراع المتصاعد.

اندلاع القتال

اندلع القتال في فنلندا في يناير عام 1918، بعد تصاعد التوتر السياسي والعسكري بين الطرفين.

وفي نهايات فبراير، شن الحمر هجومًا على قوات البيض، إلا أن الهجوم لم يحقق أهدافه. ورد البيض بهجوم مضاد في منتصف مارس من العام نفسه، في وقت كانت فيه بعض القوات الروسية الموالية للحمر متمركزة داخل فنلندا.

ومع استمرار المواجهات، حصل البيض على دعم عسكري من الجيش الألماني، وهو ما عزز موقفهم في المعارك اللاحقة.

أبرز معارك الحرب

شهد جنوب فنلندا مجموعة من المعارك العنيفة، وكان من أبرزها معركة تامبيري ومعركة فيبوري، حيث تمكنت قوات البيض من تحقيق الانتصار.

كما دارت معركة أخرى في هلسنكي، وانتهت كذلك بانتصار البيض.

وأدى تقدم قوات البيض، إلى جانب الدعم الألماني، إلى تغير واضح في موازين القوى، وانتهى الصراع بهزيمة الحمر.

استقلال فنلندا

تزامنت الحرب مع خروج فنلندا من نطاق الحكم الروسي، وبدأ مجلس الشيوخ الفنلندي العمل على إقامة دولة فنلندية.

وفي مرحلة لاحقة، ظهرت فكرة إقامة نظام ملكي يكون فيه الملك ألمانيًا، إلا أن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى غيرت الظروف السياسية، وأصبحت فكرة استقلال فنلندا واقعًا سياسيًا.

نتائج الحرب الأهلية الفنلندية

تركت الحرب الأهلية آثارًا عميقة على المجتمع الفنلندي، وأصبحت من أكثر الأحداث إثارة للجدل في تاريخ البلاد، كما ظل تصنيفها وطبيعة الصراع الذي شهدته موضع نقاش تاريخي.

ومن أبرز نتائج الحرب مقتل حوالي 37 ألف شخص خلال فترة الصراع وما ارتبط به من أحداث. ولم تكن جميع الوفيات نتيجة المعارك المباشرة، إذ توفي عدد كبير من الأشخاص نتيجة الإرهاب السياسي ومعسكرات الاعتقال.

كما أدت الاضطرابات إلى حدوث نقص حاد في الغذاء، وألحقت أضرارًا بالاقتصاد الفنلندي، وتركت انقسامًا سياسيًا واجتماعيًا استمر لفترة من الزمن.

وهكذا شكلت الحرب الأهلية الفنلندية مرحلة شديدة الاضطراب في تاريخ فنلندا، وجاءت في فترة انتقالية مهمة تزامنت مع انهيار الحكم الروسي والتحولات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، قبل أن تتجه البلاد لاحقًا نحو ترسيخ استقلالها وإعادة توحيد مجتمعها.