قصة المقولة
تعود مقولة «رب ضارة نافعة» إلى قصة قديمة من التراث، ارتبطت بمسافر ظن أن المحن التي أصابته كانت عقابًا وابتلاءً، قبل أن يكتشف لاحقًا أن ما بدا له ضررًا كان يحمل في داخله منحة من الله وفرصة جديدة للنجاة.
كيف بدأت الحكاية؟
كانت سفينة كبيرة تمخر البحر وعلى متنها بحارة ومسافرون، ثم هبت رياح شديدة أدت إلى انقلابها، فسقط من عليها في الماء، ومات بعضهم ونجا آخرون.
وكان أحد المسافرين ممن قذفتهم الأمواج بعيدًا عن مجموعة الناجين. ظل يقاوم الماء ويجدف بجسده، لكن التيار أخذ يدفعه إلى مسافة أبعد، إلى أن غلبه التعب وأصيب بإغماءة دخل بعدها في نوم عميق.
وعندما استعاد وعيه، وجد نفسه على شاطئ رملي في جزيرة كبيرة. حاول البحث عن أي شخص يمكن أن يساعده، لكنه لم يجد أحدًا. مرت الأيام وهو يبكي ويدعو الله أن تمر سفينة قريبة تنقذه.
مر اليوم الأول ثم اليوم الثاني، واستمر الأمر حتى انقضى أسبوع كامل دون أن يظهر أي أمل. عندها أدرك الرجل أنه قد يضطر إلى البقاء في الجزيرة، فصنع لنفسه بيتًا صغيرًا من أوراق الشجر.
احتراق البيت
لم يكد الرجل يستقر في مأواه حتى ضربت الجزيرة عاصفة رعدية أخرى، فأحرقت البيت الذي بناه بيده.
شعر أن سوء الحظ يلاحقه من كل جانب؛ فقد نجا من غرق السفينة، ثم وجد نفسه وحيدًا في جزيرة، وبعد ذلك احترق المأوى الوحيد الذي صنعه. أخذ يبكي على ما حدث له حتى غلبه النوم واستسلم لمصيره.
لكن المشهد تغير تمامًا عندما استيقظ على صوت غريب. ظل في مكانه من شدة المفاجأة، فقد كانت سفينة كبيرة قد وصلت بالقرب من الشاطئ، وأرسلت قاربًا صغيرًا يحمل أحد البحارة لإنقاذه.
سر العثور على الناجي
لم يستطع الرجل في البداية تصديق أنه نجا، وأنه سيعود إلى وطنه على متن سفينة أخرى. وبعد أن استوعب ما حدث، اقترب من أحد البحارة وسأله عن الطريقة التي قادتهم إليه.
أخبره البحار أنهم قبل نحو أسبوع عثروا في البحر على بقايا سفينة محطمة، ورأوا عددًا من الغرقى، لكنهم لم يعثروا على ناجٍ واحد بينهم.
ثم أوضح له أن عاصفة رعدية هبت في الليلة السابقة، فأمر القبطان بالتوقف حتى تهدأ الأحوال الجوية. وفي أثناء ذلك شاهدوا النيران المشتعلة على الشاطئ، فأدركوا أن هناك شخصًا نجا من الحادث ويحاول إرسال إشارة استغاثة.
حين يتحول الضرر إلى نجاة
عندها أدرك الرجل المعنى الحقيقي لكل ما مر به. فابتعاد الأمواج به عن بقية الناجين كان سببًا في بقائه حيًا، بينما مات الآخرون. أما الحريق الذي أتى على منزله، والذي ظنه مصيبة أخرى، فقد أصبح الإشارة التي كشفت موقعه للسفينة.
وهكذا تحولت الأحداث التي رآها الرجل نقمًا متتابعة إلى أسباب لنجاته، فعرف أن بعض المصائب قد تخفي وراءها خيرًا لا يظهر في بدايتها.
وسجد الرجل لله شكرًا، وقال:
«رب ضارة نافعة»
الدروس المستفادة
تحمل المحن التي يمر بها الإنسان في حياته رسائل ودروسًا تدفعه إلى التأمل في حقيقة ما يحدث له، وقد تكون بعض الظروف الصعبة سببًا في خير لم يكن يتوقعه.
وتشير القصة إلى أن الغاية الأساسية التي خُلق الإنسان من أجلها هي عبادة الله وحده، ولا تقتصر العبادة على الصلاة والصوم، بل تشمل أن يعبد الإنسان الله في كل ما يفعله من أعمال، وكأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يراه.