تعد مروة الصابوني من أبرز الأصوات المعمارية السورية التي ارتبط اسمها بفكرة إعادة بناء المدن بعد الحروب، ليس من الناحية العمرانية وحدها، وإنما من خلال التفكير في كيفية استعادة المجتمع لروابطه وهويته وأماكنه التي تشكل جزءًا من ذاكرته.
نشأت الصابوني في مدينة حمص السورية، ودرست الهندسة المعمارية، ثم عملت في مجال التدريس المعماري، إلا أن الحرب التي شهدتها سوريا جعلت العمارة بالنسبة إليها تتجاوز حدود المهنة؛ فتحولت المدينة المدمرة والشوارع التي تغيرت معالمها والمباني التاريخية التي تعرضت للضرر إلى موضوع أساسي في كتاباتها ورسوماتها وأفكارها حول مستقبل المدن السورية.
مروة الصابوني والعمارة في زمن الحرب
عاشت مروة الصابوني سنوات الحرب في حمص، وواجهت مثل كثير من السوريين ظروفًا قاسية أثرت في تفاصيل الحياة اليومية، من صعوبة التنقل إلى العمل، إلى انقطاع الكهرباء وتضرر المباني والأسواق والأحياء.
وكانت مدينة حمص، التي تعد من المدن التاريخية المهمة في سوريا، قد تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب، الأمر الذي جعل الصابوني تنظر إلى ما يحدث من زاوية معمارية مختلفة.
فبالنسبة إلى المهندس المعماري، لا يمثل المبنى مجرد جدران وسقف، ولا يمثل الشارع مجرد مساحة للحركة؛ فالمدينة في نظرها ترتبط بذاكرة سكانها وعلاقاتهم الاجتماعية وشعورهم بالانتماء إليها.
ومن هنا أصبحت إعادة إعمار سوريا بالنسبة إليها قضية تتجاوز إعادة تشييد المباني التي تهدمت، لتشمل إعادة بناء النسيج الحضري والاجتماعي الذي تعرض للتفكك.
الكتاب الذي وثق تجربة مروة الصابوني
من أبرز أعمال مروة الصابوني كتابها The Battle for Home: The Memoir of a Syrian Architect، الذي صدر باللغة الإنجليزية عن دار Thames & Hudson في لندن.
لم يكن الكتاب مجرد سيرة شخصية لمهندسة معمارية عاشت الحرب، وإنما قدم رؤية خاصة للعلاقة بين العمارة والمجتمع، واستعرض تجربة مدينة حمص من خلال ذكريات الصابوني وملاحظاتها ورسوماتها وأفكارها حول أسباب تدهور النسيج العمراني والاجتماعي وكيف يمكن إعادة بنائه.
وتروي الصابوني في الكتاب تجربتها الشخصية في مدينة عاشت ظروفًا شديدة الصعوبة، كما تربط بين شكل المدينة وطبيعة العلاقات التي تنشأ داخلها، وبين الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها القرارات العمرانية في حياة السكان.
الرسومات التي وثقت حمص
يضم الكتاب مجموعة من الرسومات المعمارية التي قدمت من خلالها الصابوني تصورها لمدينة حمص وأحيائها ومعالمها.
وتشمل هذه الرسومات خرائط ومشاهد للشوارع والمباني والمعالم التي تعرضت للتدمير أو الضرر، إلى جانب تصورات مرتبطة بإعادة بناء المدينة.
وتمنح هذه الرسومات الكتاب طابعًا مختلفًا، لأنها لا تكتفي بتوثيق الدمار، وإنما تحاول النظر إلى المدينة من خلال عين مهندسة معمارية تبحث عن إمكانية استعادتها.
وتظهر في الرسومات معالم وأماكن ارتبطت بتاريخ حمص وذاكرة سكانها، وهو ما يجعلها جزءًا من محاولة الصابوني الحفاظ على صورة المدينة في الذاكرة، حتى في الوقت الذي كانت فيه أجزاء منها تتعرض للدمار.
جامع خالد بن الوليد
من المعالم التي حظيت باهتمام مروة الصابوني جامع خالد بن الوليد في حمص، وهو أحد أشهر المعالم التاريخية في المدينة.
وقد ظهر الجامع ضمن رسوماتها المتعلقة بحمص، كما ارتبط في رؤيتها بمسألة الحفاظ على هوية المدينة وإعادة إعمار ما تعرض للضرر.
ولا تنظر الصابوني إلى المعالم التاريخية باعتبارها مباني منفصلة عن المجتمع، وإنما باعتبارها أجزاء من ذاكرة المكان وشواهد على تاريخه.
مخطط إعادة إعمار بابا عمرو
كان حي بابا عمرو في حمص من المناطق التي تعرضت لدمار كبير خلال الحرب، ولذلك أصبح إعادة التفكير في مستقبله أحد الموضوعات التي اهتمت بها الصابوني.
وقد قدمت تصورًا معماريًا لإعادة بناء الحي، قائمًا على إعادة النظر في طريقة تنظيمه وعلاقته ببقية أجزاء المدينة.
وشاركت الصابوني بهذا المشروع في مسابقة مرتبطة ببرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية UN-Habitat، وحصل المشروع على الجائزة الأولى في عام 2014 بحسب المعلومات الواردة عن المسابقة.
وكان هذا المشروع مهمًا في مسيرتها لأنه أظهر كيف يمكن للعمارة أن تتعامل مع آثار الحرب بطريقة تتجاوز إعادة بناء المباني المتضررة إلى إعادة التفكير في طبيعة المدينة نفسها.
العمارة ليست مجرد مبانٍ
تقوم أفكار مروة الصابوني المعمارية على فكرة أساسية مفادها أن تصميم المدن يمكن أن يؤثر في العلاقات بين الناس.
فطريقة توزيع الأحياء، والشوارع، والأسواق، والأماكن العامة، والمباني الدينية والاجتماعية، كلها عناصر تؤثر في كيفية التقاء السكان وتفاعلهم مع بعضهم البعض.
ولهذا ترى أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون مجرد استبدال المباني المدمرة بمبانٍ جديدة، بل ينبغي أن تهدف إلى استعادة الحياة الاجتماعية للمدينة وإعادة خلق الأماكن التي يستطيع الناس من خلالها بناء علاقاتهم ومجتمعاتهم.
وهذه الفكرة جعلت تجربتها تحظى باهتمام خارج سوريا، لأنها قدمت الحرب من منظور مختلف يجمع بين التخطيط العمراني والذاكرة الاجتماعية.
عملها في مجال التعليم المعماري
إلى جانب نشاطها في الكتابة والتخطيط المعماري، عملت مروة الصابوني في مجال التعليم الأكاديمي، ودرّست التصميم المعماري في كلية العمارة بجامعة حماة.
وقد منحها التدريس فرصة للتعامل بصورة مباشرة مع جيل جديد من المهندسين المعماريين، في وقت كانت فيه سوريا تواجه تحديات ضخمة تتعلق بمستقبل مدنها وعمارتها.
وتصبح هذه المهمة أكثر أهمية في بيئة تعرضت فيها المدن والمباني التاريخية والبنية العمرانية لأضرار كبيرة، إذ سيكون للمهندسين الشباب دور أساسي في عمليات إعادة الإعمار المستقبلية.
مركز نور الشام للكتاب
من الأعمال التي ارتبطت بمروة الصابوني أيضًا افتتاحها، إلى جانب زوجها، مكتبة مركز نور الشام للكتاب في حمص.
ويعكس هذا النشاط جانبًا آخر من اهتمامها بالثقافة والمعرفة، إلى جانب عملها في العمارة والتعليم.
كما شاركت في تأسيس البوابة العربية للأخبار المعمارية، وهي منصة اهتمت بمتابعة أخبار الهندسة المعمارية باللغة العربية وتقديم محتوى متخصص للمهتمين بالمجال.
مروة الصابوني والهوية السورية
لا يمكن فصل تجربة الصابوني المعمارية عن علاقتها بمدينة حمص وسوريا عمومًا.
فالمعالم التي رسمتها، والأحياء التي درستها، والأفكار التي طرحتها لإعادة الإعمار، تنطلق من قناعة بأن المدينة تحمل ذاكرة سكانها، وأن فقدان المباني التاريخية والأماكن العامة قد يعني فقدان جزء من تلك الذاكرة.
ومن هنا جاءت دعوتها إلى إعادة بناء المدن بطريقة تحافظ على هويتها، بدلًا من إنشاء أحياء جديدة منفصلة عن تاريخ المكان وسكانه.
لماذا أصبحت تجربتها محل اهتمام عالمي؟
جاء الاهتمام العالمي بتجربة مروة الصابوني من قدرتها على تحويل تجربة شخصية مرتبطة بالحرب والدمار إلى نقاش أوسع حول العمارة ودورها في المجتمع.
فهي لم تقدم نفسها باعتبارها مهندسة تحاول فقط إعادة بناء مبانٍ مهدمة، بل طرحت سؤالًا أعمق: كيف يمكن للمدينة نفسها أن تساعد على إعادة بناء المجتمع؟
وقد ساعد كتابها وأفكارها ومشروعاتها المعمارية في إيصال هذه الرؤية إلى جمهور دولي، وأصبحت تجربتها مثالًا على إمكانية استخدام العمارة لفهم الصراعات وآثارها، والتفكير في مستقبل المدن التي تعرضت للحروب.
خلاصة تجربة مروة الصابوني
تمثل مروة الصابوني نموذجًا لمهندسة معمارية لم تنظر إلى العمارة باعتبارها تصميمًا للمباني فقط، بل باعتبارها وسيلة لفهم المجتمع والحفاظ على الذاكرة وإعادة بناء المدن.
ومن خلال تجربتها في حمص، وكتابها The Battle for Home، ورسوماتها ومخططاتها لإعادة الإعمار، وخاصة تصورها لحي بابا عمرو، حاولت تقديم رؤية مختلفة لمستقبل المدن السورية بعد الحرب.
وتبقى فكرتها الأهم أن إعادة بناء مدينة مدمرة لا تنتهي عند تشييد المباني، وإنما تبدأ بإعادة بناء الأماكن التي تجمع الناس وتحافظ على ذاكرتهم وشعورهم بالانتماء إلى مدينتهم ووطنهم.