مكانة حبيب بن مظاهر

يُذكر حبيب بن مظاهر الأسدي ضمن الصحابة الذين صاحبوا سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وكان من أصدقاء سيدنا علي رضي الله عنه، كما عُرف بقربه من الحسين حفيد الرسول عليه الصلاة والسلام. وكان حبيب زعيم قومه، وانتهت حياته شهيدًا وهو ينصر الحسين، ثم قُتل ابنه القاسم قاتله.

وعُرف حبيب بمواقف متعددة في نصرة الحق، وبالوفاء والمساندة في الظروف الصعبة، ومن أبرز تلك المواقف استجابته لنداء الحسين.

رسالة الحسين إلى حبيب

بعث الحسين رسالة إلى حبيب بن مظاهر يدعوه فيها إلى نصرته، وكان مما جاء فيها:

«من الحسين بن علي إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر، أما بعد يا حبيب فأنت تعلم قرابتنا من رسول الله وأنت أعرف بنا من غيرك، وأنت ذو شيمة وغيرة فلا تبخل علينا بنفسك، يجازيك جدي رسول الله يوم القيامة».

عندما قرأ حبيب الرسالة أعلن عزمه على نصرة ابن بنت رسول الله حتى يستشهد بين يديه، وقال إنه يريد أن تصطبغ لحيته البيضاء بدمه. ولم تكن زوجته عائقًا أمام قراره، بل وافقته وشجعته على المضي في طريقه.

موقف قوم أسد من خروجه

كان قوم أسد لا يريدون الدخول في الخلاف القائم بين الحسين وابن زياد، ولذلك خافوا أن يغادر حبيب لنصرة الحسين.

وعندما ذهبوا إليه لمعرفة ما ينوي فعله، أخبرهم بأنه لن يخرج حتى لا يمنعوه. وحين علمت زوجته بما قاله غضبت، وسألته كيف يمكنه التخلي عن نصرة حفيد رسول الله وسيد شباب أهل الجنة.

حاول حبيب اختبار موقفها، فقال إنه يخشى أن يلقى حتفه فتترمل هي ويُيتّم أبناؤه. لكنها أكدت له أنها لا تريد أن يكون الخوف سببًا في تركه نصرة الحسين، وشجعته على الخروج، فأخبرها بحقيقة نيته وأنه لن يتراجع عن نصرته.

خروج حبيب سرًا

غادر حبيب منزله متخفيًا حتى لا يتمكن قومه من منعه. وجعل خادمه يأخذ الجواد ويسبقه به بعيدًا عن أعين القوم، ثم ودع زوجته وأولاده وتوجه للحاق به.

وعندما وصل إلى خادمه، سمعه يتحدث مع الحصان ويقول إنه إن لم يصل حبيب قريبًا فسوف يأخذ الجواد ويذهب بنفسه لنصرة الحسين.

تأثر حبيب بما سمعه، فأعتق خادمه لوجه الله، إلا أن الخادم رفض أن يترك سيده وأصر على مواصلة الطريق معه حتى ينتصر الحسين، فانطلقا معًا.

راية حبيب في جيش الحسين

كان الحسين ينتظر مع جيشه، وكان معه 12 راية، وزعها على قادة الجيش، لكنه أبقى راية واحدة دون صاحب.

وعندما سأل أصحابه عن صاحبها، أخبرهم بأن صاحبها سيأتي ليأخذها. وحاول بعضهم استعجال الحسين للخروج، لكنه طلب الانتظار حتى يصل صاحب الراية.

وبعد وقت ظهر حبيب من بعيد، فتوجه لإلقاء السلام على الحسين، فأعطاه الحسين الراية التي كانت تنتظره.

محاولة جمع بني أسد

لاحظ حبيب أن عدد جيش الحسين قليل مقارنة بجيش العدو، وعندما وجد مجموعة من بني أسد، وهم قومه، طلب من الحسين أن يسمح له بالذهاب إليهم ودعوتهم إلى نصرته.

وافق الحسين، فتوجه حبيب إلى بني أسد وخطب فيهم، وذكّرهم وحاول إقناعهم بالانضمام إلى ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

استجابوا لكلامه وقرروا التوجه لنصرة الحسين، إلا أن شخصًا علم بأمرهم وأخبر بن سعد، فأرسل جنوده لمنعهم.

كان الجنود أكثر عددًا من المجموعة التي أرادت نصرة الحسين، وحاول أنصار الحسين مقاومتهم، لكنهم لم يتمكنوا من تجاوزهم، فعادوا إلى بيوتهم.

عاد حبيب إلى الحسين وأخبره بما حدث، فقال:

«وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليمًا حكيمًا».

موقفه عند الصلاة والقتال

عندما أراد الحسين الصلاة، أرسل حبيب إلى الجيش الأموي يطلب منهم إيقاف القتال حتى يؤدوا الصلاة.

ورد عليه الحصين بن تميم بأن صلاتهم لن تُقبل، فرد حبيب عليه قائلًا:

«الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبل وتقبل منك يا حمار».

غضب حصين من كلامه وتقدم نحوه للقتال، فضرب حبيب وجه فرسه، فسقط حصين عنها، ثم أسرع أصحابه إليه وسحبوه بعيدًا عن حبيب.

بعد ذلك أعلن حبيب أمام خصومه:

«أنا حبيب وأبي مظاهر فارس هيجاء وحرب وتسعر، أنتم أعد عدة وأكثر ونحن أوفى منكم وأصبر، ونحن أعلى حجة وأظهر حقًا وأتقى منكم وأعذر».

استشهاد حبيب بن مظاهر

بدأ القتال بعد ذلك، وأظهر حبيب بن مظاهر شجاعة شديدة في المواجهة، واستمر في القتال حتى هجم عليه رجل من بني تميم وضربه على رأسه.

ثم جاء الحصين وقطع رأس حبيب، وأخذ الرأس معه ليعلقه في فرسه.

وبذلك انتهت حياة حبيب بن مظاهر الأسدي شهيدًا وهو ثابت على موقفه في نصرة الحسين، بعد أن اختار طريقه رغم اعتراض قومه، وترك أهله، وأصر على المشاركة في القتال حتى النهاية.