جبل إفرست.. أعلى قمة في العالم وتاريخ اكتشافها وتسلقها
يُعد جبل إفرست أعلى قمة جبلية على سطح الأرض فوق مستوى سطح البحر، ويقع في سلسلة جبال الهيمالايا على الحدود بين نيبال والصين. وقد أصبح الجبل رمزًا عالميًا للمغامرة وتسلق الجبال، بسبب ارتفاعه الهائل والظروف المناخية القاسية التي تحيط به.
ويبلغ الارتفاع المعتمد حديثًا لقمة إفرست 8848.86 مترًا فوق مستوى سطح البحر، وفق القياس المشترك الذي أعلنت عنه نيبال والصين عام 2020. ويُعرف الجبل في نيبال باسم ساغارماثا (Sagarmatha)، بينما يُعرف في التبت باسم تشومولونغما (Chomolungma).
أين يقع جبل إفرست؟
يقع إفرست في منطقة الهيمالايا، على الحدود بين شمال نيبال والتبت التابعة للصين، وتحيط به واحدة من أكثر البيئات الجبلية قسوة في العالم.
ويتميز موقعه بارتفاع شديد وانخفاض كبير في درجات الحرارة وانخفاض نسبة الأكسجين مع الصعود إلى الأعلى، الأمر الذي يجعل الوصول إلى القمة تحديًا بالغ الصعوبة حتى بالنسبة إلى متسلقي الجبال ذوي الخبرة.
ولا تُعد قمة إفرست أعلى نقطة على الأرض من حيث المسافة من مركز الأرض، وإنما هي أعلى نقطة فوق مستوى سطح البحر.
ارتفاع جبل إفرست
ظل ارتفاع إفرست موضوعًا للقياس والتحقق منذ اكتشاف أن قمته هي الأعلى في العالم. وكان الرقم الشائع تاريخيًا هو 8848 مترًا، وهو الرقم الذي ارتبط بالجبل لعقود طويلة.
وفي ديسمبر 2020 أعلنت نيبال والصين قياسًا مشتركًا جديدًا بلغ 8848.86 مترًا، ليصبح هذا الارتفاع الرقم الرسمي الحديث المستخدم في وصف قمة إفرست.
ويأتي الاختلاف البسيط بين القياسات القديمة والحديثة نتيجة اختلاف طرق المسح والحساب والقياسات الجيوديسية.
كيف اكتُشف إفرست بالنسبة إلى المسح الأوروبي؟
بدأت عمليات المسح الجغرافي الدقيقة لشبه القارة الهندية والمناطق المحيطة بها خلال القرن التاسع عشر، وكانت الجبال الواقعة في الهيمالايا من أكثر المناطق التي يصعب قياسها بسبب التضاريس والطقس والموقع البعيد.
وخلال 1847م لاحظ المساحون البريطانيون وجود قمة جبلية شديدة الارتفاع في المنطقة، ثم استمرت عمليات القياس والتحقق لعدة سنوات.
وفي 1856م أعلن المسح الهندي أن القمة التي كانت تُعرف باسم Peak XV هي أعلى قمة جبلية معروفة في العالم، وقدر ارتفاعها بنحو 8839 مترًا في القياسات الأولى، قبل أن يستقر الرقم التاريخي المعروف لاحقًا عند 8848 مترًا.
لماذا سُمي جبل إفرست بهذا الاسم؟
أطلق اسم إفرست تكريمًا للسير جورج إفرست (George Everest)، الذي كان مسّاحًا عامًا للهند خلال الفترة التي شهدت عمليات المسح الكبرى.
ومن المفارقات أن جورج إفرست نفسه لم يكن هو الذي اكتشف القمة أو صعد إليها، كما أنه لم يكن متحمسًا في البداية لإطلاق اسمه عليها. لكن الاسم أصبح لاحقًا الاسم العالمي الأكثر شيوعًا للجبل.
وفي الوقت نفسه، يحتفظ الجبل بأسماء محلية قديمة، ومن أبرزها ساغارماثا في نيبال وتشومولونغما في التبت.
أول محاولة للوصول إلى قمة إفرست
قبل نجاح أي متسلق في بلوغ القمة، جرت محاولات كثيرة لاستكشاف الطرق المؤدية إليها، وكان المناخ والتضاريس ونقص الأكسجين من أهم العوامل التي جعلت التسلق شديد الخطورة.
وأجريت عدة بعثات استكشافية في أوائل القرن العشرين، وكان من أبرزها البعثات البريطانية التي حاولت الوصول إلى القمة من الجانب الشمالي والجنوبي.
وقد ارتبط تاريخ إفرست أيضًا بحوادث مأساوية، إذ فقد عدد من المتسلقين حياتهم أثناء محاولات الوصول إلى القمة أو العودة منها.
إفرست و«منطقة الموت»
تُعرف المنطقة الواقعة فوق ارتفاع يقارب 8000 متر باسم منطقة الموت (Death Zone)، لأن جسم الإنسان يواجه فيها نقصًا شديدًا في الأكسجين، ويصبح البقاء لفترات طويلة خطرًا للغاية.
وفي هذه الارتفاعات تقل قدرة الجسم على الحصول على الأكسجين، وتتزايد احتمالات الإصابة بداء المرتفعات الحاد ووذمة الرئة أو الدماغ الناجمة عن الارتفاع.
ولهذا يستخدم كثير من المتسلقين الأكسجين الإضافي، كما يعتمدون على فترات تأقلم طويلة قبل محاولة الوصول إلى القمة.
ولا تقتصر المخاطر على نقص الأكسجين، إذ تشمل أيضًا الانهيارات الثلجية، والسقوط، والبرد الشديد، والرياح القوية، وتغيرات الطقس المفاجئة.
كارثة عام 1996
شهد جبل إفرست واحدة من أشهر الكوارث في تاريخ تسلقه خلال عام 1996، عندما توفي عدد من المتسلقين بسبب ظروف الطقس القاسية وسلسلة من المشكلات التي حدثت أثناء الصعود والنزول.
وأصبحت هذه الحادثة لاحقًا موضوعًا لكتب وأفلام تناولت مخاطر التسلق التجاري على أعلى قمة في العالم.
وتوضح هذه الكارثة أن الوصول إلى القمة لا يمثل الخطر الوحيد؛ فالعودة إلى المخيمات بعد الوصول إليها قد تكون من أصعب مراحل الرحلة.
نجاح بعثة عام 1953
جاء الإنجاز التاريخي في 29 مايو 1953، عندما تمكن إدموند هيلاري (Edmund Hillary) من نيوزيلندا وتنزينغ نورغاي (Tenzing Norgay) من نيبال من الوصول إلى قمة إفرست لأول مرة بنجاح مؤكد.
وكانا جزءًا من البعثة البريطانية التي قادها جون هنت (John Hunt).
وقد استفادت البعثة من الخبرات التي تراكمت خلال المحاولات السابقة، ومن المعدات الحديثة نسبيًا في ذلك الوقت، ومن أنظمة الأكسجين والملابس الواقية والتقنيات المستخدمة في تسلق المرتفعات العالية.
وبعد الوصول إلى القمة، أصبح هيلاري ونورغاي أول شخصين يؤكد التاريخ نجاحهما في بلوغ أعلى نقطة على سطح الأرض.
لماذا يصعب تسلق إفرست؟
لا تكمن صعوبة إفرست في الارتفاع وحده، وإنما في مجموعة كبيرة من العوامل التي تتراكم معًا.
فكلما ارتفع المتسلق، انخفض الأكسجين المتاح، وأصبح الجسم أقل قدرة على بذل الجهد. كما تنخفض درجات الحرارة بشدة، وتزداد قوة الرياح، وتصبح عمليات الحركة والنوم والتغذية أكثر صعوبة.
ويحتاج المتسلق عادةً إلى فترة طويلة من التأقلم مع الارتفاع، ولذلك تستغرق رحلة القمة أسابيع في كثير من الحالات، وليس مجرد ساعات من التسلق المباشر.
كيف يستعد المتسلقون لإفرست؟
يتطلب تسلق إفرست إعدادًا بدنيًا ونفسيًا وتقنيًا كبيرًا. ومن أهم عناصر الاستعداد:
التدريب على التحمل والقوة.
اكتساب خبرة في تسلق الجبال والثلوج والجليد.
التأقلم التدريجي مع الارتفاع.
استخدام معدات مناسبة للبرد والثلوج.
حمل الأكسجين الإضافي عند الحاجة.
متابعة الطقس واختيار نافذة مناسبة للوصول إلى القمة.
الاعتماد على مرشدين وفرق دعم ذات خبرة.
كما أن المتسلق يحتاج إلى معرفة علامات داء المرتفعات الخطير، لأن الاستمرار في الصعود رغم الأعراض الشديدة قد يهدد حياته.
عدد متسلقي إفرست
شهدت العقود الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في عدد الأشخاص الذين حاولوا تسلق الجبل، خاصة بعد تطور السياحة الجبلية والخدمات اللوجستية.
وقد وصل آلاف المتسلقين إلى القمة على مدار تاريخ تسلق إفرست، بينما توفي مئات الأشخاص أثناء محاولات التسلق بسبب السقوط والانهيارات الثلجية ونقص الأكسجين والبرد الشديد وغيرها من المخاطر.
وتتغير أعداد المتسلقين وحالات الوفاة من موسم إلى آخر، ولذلك لا يصح اعتماد أرقام تاريخية قديمة باعتبارها أرقامًا ثابتة حتى اليوم.
إفرست بين المغامرة والخطر
أصبح إفرست حلمًا لعدد كبير من متسلقي الجبال، لكنه لا يزال من أخطر التحديات الرياضية على مستوى العالم.
فالوصول إلى القمة لا يعتمد فقط على القوة البدنية، بل يحتاج إلى خبرة واسعة وفهم للطقس والارتفاعات والتضاريس والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة في الظروف الصعبة.
كما أن نجاح شخص ما في الصعود لا يعني أن جميع المتسلقين يمكنهم تكرار التجربة بالسهولة نفسها، لأن الظروف في الجبل تختلف باستمرار.
الخلاصة
يظل جبل إفرست أعلى قمة جبلية في العالم فوق مستوى سطح البحر، ويبلغ ارتفاعه الرسمي الحديث 8848.86 مترًا. ويقع بين نيبال والتبت، ضمن سلسلة جبال الهيمالايا، وأصبح منذ القرن التاسع عشر محورًا للبعثات والمسوح الجغرافية، قبل أن يتحول إلى أشهر تحديات تسلق الجبال في العالم.
وكان الإنجاز التاريخي الأبرز هو وصول إدموند هيلاري وتنزينغ نورغاي إلى القمة في 29 مايو 1953 ضمن بعثة بريطانية قادها جون هنت.
ورغم التطور الكبير في معدات وتقنيات التسلق، لا يزال إفرست يحتفظ بخطورته بسبب الارتفاع الشديد ونقص الأكسجين والطقس القاسي والتضاريس الخطرة، ولذلك فإن تسلقه يظل اختبارًا استثنائيًا لقدرة الإنسان على التحمل والتخطيط والتعامل مع الطبيعة القاسية.
الوسوم: جبل إفرست، إفرست، أعلى قمة في العالم، جبال الهيمالايا، تسلق إفرست، نيبال، الصين، إدموند هيلاري، تنزينغ نورغاي، جون هنت


